رباب عبدالله
.

كنتُ في السيارة، متجهةً إلى المطار، إلى مدينة رسول الله، لحظةَ جاءني اتصالٌ من رقمٍ غريب، و كعادتي لا أقوم بالرد على الأرقام الغريبة.. لاحظ والدي الذي كان يرافقني ذلك، ثم قال باستغراب لماذا لا تردين؟ قلت له رقم غريب، من عساه يكون؟ قال ربما "التجمع".. قلتُ مُحال.. لا يبدو أن هناك وظائف شاغرة بعدما راجعناهم أكثر من مرة.. "شكلهم مطولين" 

ثم رنّ الجوال مرةً أخرى.. الاتصال من الرقم ذاته.. رددتُ على مضض.. 

"ألو.." 

"د. رباب؟ الحمد لله حبيت أبشرك إن أوراقك مشت و إن شاء الله تباشرين من بكرة" 

"بكرة؟ أنا مسافرة.. ينفع يوم الأحد؟" 

"اي تمام يوم الأحد إن شاء الله تباشرين"

"تمام شكرًا جزيلًا." 


التفتُ إلى والدي، غير مصدّقة.. "تخيل؟!" كما قلتَ، الاتصال من التجمع..! الحمد لله، أخبروني بأن أموري تيسّرت و سأباشر من يوم الأحد إن شاء الله..! 

..


هكذا استقبلتُ خبر حصولي على الوظيفة، وظيفتي الأولى، بعد سنوات طويلة من الدراسة المُضنية… كنتُ سعيدة جدًا..! كيف لا؟  و قد استقبلتُ هذا الخبر و أنا في طريقي لرسول الله، رزقٌ ساقه الله لي ببركة نبيّه -عليه و على آله أفضل الصلاة و السلام- 

و هناك، حينما حللتُ في رحاب مسجده الشريف لم أنسَ أن أصلّي ركعتي الشكر لله عزّ و جل.. 

..


بعد شهرين تم تكليفي بإدارة قسم، و على قدر حبي و شغفي بذلك القسم، لكنني كنتُ خائفة بعض الشيء.. كيف لي بإدارة قسم و أنا لا زلت في بداية بداية مشواري الوظيفي؟ أنا لا أفقه شيئًا في الأمور الإدارية حتى..!! و لكن هكذا شاء القدَر..! 

أتذكّر أسبوعي الأول بعد التكليف، كيف كنتُ أمضي نصف ساعة في كتابة (إيميل) لا يستغرق مني أكثر من دقيقةٍ الآن..! (ذكّرني هذا بِأول progress note أكتبها خلال سنة الامتياز..!).. 

بعد انقضاء الأسبوع الأول، أتذكر كيف كنتُ محبطةً جدًا و إلى أبعد حد! قضيتُ مساء الخميس في غرفتي أفكّر: كيف صرتُ هنا؟! يا ترى هل أستطيع الاستمرار بهذا الدور..؟؟! و قد يسألني البعض ما الذي دعاني للإحباط؟ سأقول قلة خبرتي في الإدارة..! 

لا شك أن هناك الكثير ممن يمد المساعدة.. و لكني في بعض الأحيان كنت أتردد، من هو الشخص الصحيح الذي يستطيع مساعدتي؟! لم أكن قليلة الخبرة في الإدارة فحسب، بل كنت موظفةً جديدة..!! 

كنتُ أحاول الصمود، حتى قررتُ أخيرًا الانضمام إلى برنامج للقيادة و مهارات الاتصال ليساعدني في المُضي قُدُمًا و فهم الدور الذي أقوم به و تأديته على أكمل وجه.. 

تعرّفتُ على شخصيتي، نقاط ضعفي و قوتي، كيف أطوّر من نفسي و أحول نقاط ضعفي إلى نقاط قوة.. و تعلّمتُ أنَّ القائد يمرُّ بعدّة مستويات، فليسَ عليّ أن أتوقع وصولي للمستوى الخامس مثلًا من القيادة دون اكتسابي لمهارات المستوى الأول.. و أنّ انتقالي من مستوى لآخر يتطلب وقتًا و عملًا، فلا أتوقّع من نفسي أن أكتسب هذه المهارات تلقائيًا خلال وقتٍ قصير….! 


و كان ممّا تعلمته أيضًا أنَّ أولى مسؤوليات القائد تعريف "الواقع": الوضع الحالي للقسم/ للمنظومة/ للأشخاص، و كان هذا هو هدفي خلال السنة الأولى، و سأنجزه قريبًا إن شاء الله.. و يأتي من بعده أهدافٌ أخرى للتطوير و التحسين، و كلّها لا تتحقق بدون تعاون الفريق.. و طالما أحببتُ العمل ضمن فريق، على الرغم من أنّي لم أكن يومًا أحب أن أصدِرَ الأوامر..! 

و على ذكر "الفريق"، لا بد أن أشير إلى أكبر مكسبٍ لي خلال هذه السنة.. فما كنتُ لأنجح أو أتخطى كثيرًا من الأمور لولا الأشخاص الداعمين لي سواءً من داخل الفريق أو خارجه.. إنّ تعرفي على زملاء رائعين و داعمين لا شكّ بأنه مكسبٌ كبير، و من هنا تأتي أهمية توسيع دائرة العلاقات في العمل.. 


.. 

و بعيدًا عن (الإدارة و مهارات القيادة)، لا أستطيع أن أنهي هذه التدوينة دونما ذكرٍ لأكبر مشكلة واجهتها خلال هذه السنة و هي (العمل في المنزل).. لقد اعتدت -منذ سنوات الدراسة الطويلة و حتى حصولي على شهادة البورد- على إنجاز جميع الواجبات و المهام و المذاكرة بعد ساعات الدوام.. هو أمرٌ اعتدتُ عليه منذ سنوات و لذا واجهتُ صعوبةً في التخلص من هذه العادة..! و على أية حال، فأنا أحاول الآن أن أعوّد نفسي على تركها، و أن أضع حدًا بين العمل و حياتي الخاصة فإنّ العمل مهما كان مهمًا، فلا بد أن أستثمر وقتي في أمور أخرى لا تقل أهمية.. و صحتي من أولى الأمور! 


..


مضت سنتي الأولى، و أتطلّع إلى سنواتٍ أخرى.. من اكتساب الخبرة، العمل الدؤوب و صناعة التغيير.. التغيير الذي من أجله اخترتُ تخصصي..! 

0 التعليقات

إرسال تعليق

Join me on Facebook Follow me on Twitter