رباب عبدالله
.


قبل ستة أشهر كان موعدي لمتابعة السكر مختلفًا حيث جعلني أنظر للسكري من ناحية أخرى لم أكن أراها.. 
كنتُ أظن أن ذلك الموعد سيكون كغيره، أدخل، أطمئن على آخر التحاليل، أخبر الطبيب أن أموري كلها على ما يرام، ثم أخرج... لكن حدث ما لم يكن في الحسبان! بدأت الطبيبة تسألني عدة أسئلة دقيقة عن سكري أنا نفسي لا أعرف إجاباتها.. انزعجتُ، ليس من الأسئلة، بل مني أنا... لماذا ما عدت أهتم كالسابق؟
استنتجت الطبيبة أن سكري لم يكن مستقرًا في الفترة الأخيرة فقامت بإعطائي موعدًا آخر بعد شهر.

خرجتُ من العيادة مشتتة الذهن، أتساءل: كيف وصلتُ لهذه المرحلة؟ و لماذا أنا غير قادرة على الرجوع لوضعي السابق؟
قضيتُ تلك الليلة أفكر بالموضوع و أقرأ عن حالة تسمى بِـ "انهاك السكري- Diabetes burnout" و على الرغم من معرفتي بهذه الحالة إلا أنني لم أفكر مسبقًا بأن الذي أمر به هو تلك الحالة ذاتها!

أتذكر أنني قبل سنتين كتبتُ تدوينة تساءلتُ فيها "هل أنا سكرية مهملة؟" ذكرتُ فيها أن "الاعتراف" هو أول خطوة للعودة لجادة الصواب، و الحقيقة أنني بعد "اعترافي" ذاك لم ألحظ أي تحسن سوى محاولات فاشلة مني للاهتمام بسكري بين الحين و الآخر.. و من الطبيعي أن "أفشل" لأن الأمر أعقد من ذلك بكثير.. فأنا ما كنت أعرف أني أعاني من "انهاك السكري" سوى في في الأشهر الأخيرة الماضية.. و لم أكن أستوعب آنذاك أن مروري بهذه المرحلة هو نتيجة طبيعية لتعايشي مع "داء مزمن" يرافقني كل يوم، كل ساعة، كل ثانية... و بالرغم من كونها "نتيجة طبيعية" إلا أنه لا بد من علاجها..!
كنتُ مخطئة حينما قلت أن الاعتراف هو أولى الخطوات، بل لا بد من معرفة المشكلة من أساسها و استيعابها.. "الوعي أولًا"

ربما قبل سنوات، لم أكن أحسب أنني في يوم من الأيام سأصل لدرجة الاحتراق و الإنهاك من السكري، كنت متفائلة على الدوام -و ما زلت- ، كنتُ أنظر للسكري من الجانب الإيجابي دائمًا، كنت أهتم بسكري و أحرص أن تكون مستوياته طبيعية، لكنني ربما لم أهتم كثيرًا للناحية النفسية.. كنتُ أحكم على الأرقام لأني أراها.. متجاهلةً "ما لا أراه"..

أصدقائي السكريين، لي و لكم أقول:

-الحياة مع السكري تتطلب الكثير من الجهد والتفكير المتواصل، و لذا فمن الطبيعي أن تصل لمرحلة الإنهاك، فهمك لهذه المرحلة سيساعدك على تخطيها.
-علاج الإنهاك قد يتطلب بعض الوقت، لا بأس في ذلك، المهم أن تخرج منها..!
-قد تحتاج للمساعدة من الفريق الطبي.. لا تتردد في طلبها أبدًا، و تذكر أنك لست وحدك..
-لا تنعت نفسك بالإهمال، و لا تسمح لأحد بأن يفعل ذلك!
-رفقًا بنفسك، لا تحملها فوق طاقتها!


*مواضيع ذات صلة:




بقية الموضوع »
رباب عبدالله
.



-"كيف الحال يا خالة؟"
-"بخير."
كان هذا جوابها الذي اعتدت سماعه كل مرة،
كنتُ أطمئن عليها كل صباح، أسأل عن حالها و أقوم بفحصها.
كانت حالتها تتحسن يومًا بعد يوم و كنتُ متفائلة بخروجها من المستشفى عمّا قريب، غير أنها ذات صباح لم تردّ علي، لم تكن بخير؛ هذا ما تشير إليه علاماتها الحيوية!
في الطب؛ ما الأسوأ من أن ترى مريضك في حالة انتكاس بعدما كان يتحسن؟ يا لخيبة الأمل!
في اليوم التالي، استيقظتُ صباحًا على رسالة من أحد الزملاء بأن المريضة قد توقف نبضها ثم عاد بعد الإنعاش.. فزعتُ لهذا الخبر، و اتجهت نحو غرفتها فور وصولي للمستشفى فوجدتُ فريق العناية المركزة عندها، ثم رحت أتصفح ملفها لأطّلع على تفاصيل ما جرى.. و حمدت الله أنها ما زالت على قيد الحياة!

توجهتُ لأطمئن على باقي المرضى.. دقائق مرت و إذا بالنداء يصدح في أنحاء المستشفى:
"Attention please.. code blue.. attention please.. code blue"
ضاق صدري و توجهت مسرعة نحو غرفتها راجية بألّا تكون هي ذاتها من تحتاج للإنعاش، لكن الفريق كان متأهبًا لبدء الإنعاش عند سريرها..
وقفتُ أراقب، لكنني كنتُ فاقدة للأمل هذه المرة، إذ لا شيء يبشر أنها ستقاوم الموت.. لا شيء!
التفتُّ إلى الوراء فإذا بأهلها يتطلعون إلى غرفتها ما بين مترقب و رافع يديه إلى السماء.. "أعانهم الله"

أعلنت الممرضة انتهاء الوقت المحدد للإنعاش، بدأ الطبيب يفحص المريضة حتى يتأكد من غياب "علامات الحياة" و يعلن "حالة الوفاة"

خرجت من الغرفة.. حاولت تمالك دمعي لكن لم أستطع.. "إنا لله و إنا إليه راجعون"
جلستُ ساهمة في حزني بعض الوقت، عاجزة عن التفكير في أي شيء آخر، لكنني تذكرت أنني لم أرَ مرضاي الباقين هذا الصباح. هذا الحزن لا يجب أن يلهيني عن عملي أو عن أدائه بأكمل وجه.
نفقد مريضًا فنتألم، لكن لا بد أن نمضي.. أملًا في أن نساعد آخر ليعيش.


*مواضيع ذات صلة:


بقية الموضوع »
رباب عبدالله
.
للاستماع لهذه التدوينة: من هُنا


كتابة الأهداف شيء مهم إذا ما أردت أن تحقق النجاح، كلام طالما سمعته!

في عام ٢٠١٢ كتبتُ قائمة أهداف لأحققها خلال تلك السنة. تلك كانت أول مرة أضع فيها أهدافًا سنوية، و في السنة التالية قررتُ جعل كتابة الأهداف عادة سنوية، إذ بعد انتهائي من اختبارات منتصف السنة التي كانت تصادف عادة آخر شهر ديسمبر و بداية شهر يناير؛ أقوم بحذف جميع وسائل التواصل الاجتماعي من هاتفي الذكي لمدة ٤ أيام أسميها بـ "العزلة" لأمنح نفسي مساحة للتأمل و التفكير بالإنجازات التي حققتها و الأهداف التي أريد تحقيقها في العام الجديد. فكرة قطع وسائل التواصل الاجتماعي كانت تروقني كثيرًا، ليس لأنني أجد الكثير من الوقت لنفسي فحسب، بل لأنها تمنحني شيئًا من الصفاء الداخلي و فرصة للتأمل في العالم الخارجي دون أن أنشغل بأي شيء آخر. في عام ٢٠١٨، لم أجد وقتًا مناسبًا لأخذ هذه العزلة، فقد كنتُ حينها طبيبة امتياز و طبيعة العمل المتواصل و التحضير لاختبار رخصة الممارسة الطبية يحتمان عليّ البقاء على تواصل دائم مع الزملاء. ساءني ذلك في البداية لأنني لن أتمكن من كتابة أهدافي بالطريقة التي اعتدت عليها، ثم بعد ذلك تساءلت ماذا لو لم أضع لنفسي أهدافًا خلال هذه السنة؟ هل سيتغير شيء؟ هل هناك أهمية أصلًا لكتابة الأهداف؟ أم أن ذلك كله محض هراء؟ قررتُ ألا أكتب أهدافًا لتلك السنة، و النتيجة؟ حققت الكثير من الإنجازات التي لا تقل عن السنوات الماضية بل قد تزيد عليها! 

فأين المشكلة؟
راجعتُ طريقتي لكتابة الأهداف - وكنتُ أحرص على تطوير طريقتي سنةً بعد أخرى- : في البداية وضعتُ لنفسي أهدافًا و كانت مُبهمة بعض الشيء ثم نسيتها في أحد الأدراج. بعد ذلك قررت أن أكتبها في ورقة و علقتها على لوح أمام مكتبي بحيث أراها يوميًّا، ثم قررت أن أكتب بجانب كل هدف كيف أستطيع تحقيقه و كذلك وضعت تذكيرًا في الجوال لأقوم بمراجعة هذه الأهداف كل ٣ أشهر، لكن شيئًا ما لم يتغير! لماذا؟ لأنه كان لا بد من كتابة خطة واضحة لتحقيق هدفٍ ما، بالإضافة إلى متابعة تقدمي باستمرار، كان لا بد من العمل على تحقيق هذه الأهداف بشكل متواصل.

و الآن استوعبت المشكلة، فما هو الحل؟ 
بعد أن حددت أهدافي لسنة ٢٠١٩، حاولت صياغتها على طريقة SMARTأو (الأهداف الذكية)، ثم خصصت مجلدًا لهذه الأهداف في هاتفي الجوال، و قبل بداية كل شهر كنتُ أكتب أهدافًا لأنجزها خلال الشهر الجديد مبنية على أهداف السنة التي حددتها مسبقًا، ثم من القائمة الشهرية أخصص أهدافًا لكل أسبوع ثم لكل يوم.. مع نهاية هذه السنة، أستطيع القول أني أنجزت الكثير، فالطريقة التي اتبعتها ساعدتني على تذكر أهدافي دائمًا و العمل عليها باستمرار.. و برأيي، فإن كتابة الأهداف فنّ ما زلت أحتاج لتطوير نفسي فيه. سأحاول في سنتي الجديدة الاستفادة أكثر من الأدوات المتاحة على الأجهزة الذكية لتسهل عليّ ترتيب الأهداف "زمنيًا" و متابعة تقدمي.

ما تعلمته من تجاربي السابقة أن الأهداف لن تتحقق بمجرد كتابتها و لا حتى بمجرد تذكرها، بل لا بد من رسم طريق واضح حتى نصل للهدف، و الأهم من ذلك أن نتابع المسير على هذا الطريق.

بقية الموضوع »
رباب عبدالله
.

في اليوم الرابع عشر من نوفمبر (اليوم العالمي للسكري)  و حيث أن الموضوع المطروح لهذه السنة -و السنة الماضية- هو "العائلة و السكري" لا يفوتني أن أذكر و أشكر دور عائلتي في تسهيل تعايشي مع هذا الداء المزمن و وقوفهم و دعمهم المستمر.

لا أنسى الأيام الأولى من اصابتي و زيارات أهلي يوميًا لي في المستشفى على الرغم من بعد المسافة.. 
فهذه أختي التي كانت تنام معي في المستشفى -بالرغم من ظروف حملها- و حرصها على سؤال الطبيب عن حالتي يوميًا.. و تلك أختي التي أعدّت لي جدولًا غذائيًا مناسبًا  و مفصّلًا بالطعام المناسب لي.. و كذا أخواتي الأخريات و حرصهن على شراء الهدايا التي تتعلق بالسكري مثل الحلوى الخالية من السكر و شعار السكري و غيرها.. أختي الصغرى تحرص كل سنة على ارتداء شعار السكري في هذا اليوم
و لا أنسى أبي الذي كان يجهّز لي جهاز التحليل و الأنسولين بل و يحقنني كل صباح قبل الافطار في أيام اصابتي الأولى.. لأنني بطبيعة الحال كنت أخاف من الإبرة :) 
و ماذا عساي أن أقول إذا ذكرت أمي؟ ماذا يمكن للأم أن تقدم لأبنائها؟ بل ما الشيء الذي لا تقدمه لهم؟ أمي كانت أحرص مني على نفسي، تتأكد كل ليلة من وجود عصير بقربي قبل النوم، تأخذ طلة عليّ في منتصف الليل لتتأكد أني بخير.. تحرص على أن آكل وجبات صحية كاملة.. و لو بقيت أعدّد أفضالها عليّ حين اصابتي بالسكري -دون سواها من الأفضال- لما انتهيت! 

عائلتي من أعظم نعم الله علي، وقوفهم بجواري و دعمهم المتواصل، جعل حياتي مع السكري أسهل، وجودهم يخفف عليّ من العبء الكثير.. لا حُرمتُ هذه النعمة التي أشكر الله عليها دائمًا و أبدًا

بقية الموضوع »
رباب عبدالله
.

ودَّعني والداي، بعد يومٍ طويل مُتعب في المشفى، و بقيت ليلتها وحدي في قسم التنويم.. لم تنسَ أمي أن توصي الممرضة عليّ، و تلك بدورها ردّت مطمْئِنةً "رح حطها بعيوني"..
و ها أنا الآن وحدي، ماذا أفعل؟
أمسكت بسماعة الهاتف، اتصلت بصديقتي، أخبرتها بأنني شخصت بالسكري، و أن الأعراض التي كنت أعانيها لم تكن إلا بسببه.. كنتُ أستشعر الصدمة و القلق في كلامها، أخبرتها بأن لا شيء يدعو للقلق و أنا الآن بخير! غيرنا الموضوع و رحنا نتحدث في أمور متفرقة.. بعد أن أغلقت السماعة رحت أقلب قنوات التلفاز، فهذه الليلة تصادف آخر حلقة من برنامجي المفضل "أمير الشعراء".. لكن لم أعثر على القناة، بلغت أختي في المنزل أن تسجل لي الحلقة حتى أشاهدها فور خروجي من المشفى..
لم يبق لي شيء أفعله الآن أو أتسلى به سوى النوم! ألقيت بنفسي على الوسادة، باتت الأفكار تراودني، و إن حاولت التهرب منها... يا الله، راضية بقضائك، و لكنني أتساءل، كيف ستكون حياتي بعد الآن؟ هل سيؤثر هذا السكري على حياتي؟ ماذا عن دراستي؟ و حلم الطب؟
كيف ستكون نظرة الناس لي؟
لم أتمالك دموع عينيّ التي انهمرت.. بكيتُ وحدي، و لم أبكِ أمام والديَّ حتى لا أزيدهما همًّا.. غطّت عيناي في النوم، و مع حلول الفجر جاءت الممرضة لتعطيني إبرة الأنسولين أعلى ذراعي اليسرى، كانت تلك أول إبرة أنسولين آخذها -تحت الجلد-
اليوم الذي تلا خبر إصابتي كان حافلًا بالاتصالات، و الزيارات من الأهل و المعارف و الأصدقاء.. و كَذا كانت باقي أيامي التي قضيتها في المشفى، استشعرت وقتها هذه النعمة العظيمة التي وهبني الله إياها: نعمة الأهل و الأصدقاء!
قضيتُ أيامي في المشفى أتعلم عن السكري، و كيفية تنظيمه.. لم أشكل فكرة كاملة عن كيف ستكون حياتي و ما المتاعب التي سيسببها هذا الصديق الجديد، إلا أنني اتخذت على نفسي عهدًا بأنني سأكون "سكرية مثالية".. و يا لبساطة تفكيري، كنت أظن أنّ الأمر كما في المدرسة حينما تلتزم بالمذاكرة و تجتهد ستكون (الطالب المثالي) بلا شك...!
أذكر أنني كنت أتصفح كتاب الكيمياء لمذاكرة بعض الدروس إذ دخل عليّ استشاري السكري و قال لي لا بد أنك طالبة مجتهدة، قلتُ نعم، فسألني ماذا تريدين أن تكوني؟ قلت بعد تردّد "طبيبة".. ترددت لأنني كنت أتساءل هل ما زال بإمكاني أن أكون كذلك؟
و بعد مضيّ ستة أيام، تقرر خروجي من المشفى أخيرًا حينما انتظم سكري تقريبًا..!
كانت فرحتي عارمة، كسجينٍ أُطلِقَ سراحهُ، رحتُ أتنفس ذاك الهواء الطلق بعمق حالما خرجت من بوابة المشفى.. يااااه! هبّ النسيم البارد و كأنه يحيّيني، يستحمدُ لي بالسلامة.. و يخفف من همّي..
توقفنا في طريقنا للمنزل عند محل الحلويات لشراء (حلوى السلامة) للضيوف.. سألني والدي هل تريدين القدوم معي؟ قلت: بالتأكيد.. رحت أُراقب تلك الحلويات و قلتُ لنفسي لا بد أن أبتعد عنها نهائيًا حتى أحافظ على سكري، ما كنت وقتها سمعت عن الحلوى الخالية من السكر..!
فاجأني هبوط السكر عند أول صباحٍ أستقبله في منزلنا بعد تشخيصي، استيقظت من نومي مُتعبة يتصبب العرق مني أتنفس بشكل سريع و أشعر بنبضات قلبي المتسارعة.. أهذه علامات هبوط السكر التي علموني إياها في المشفى؟ قست سكري فورًا و أخذت نصف كأس من عصير البرتقال تمامًا كما علموني! كانت تلك أول مرة أشعر فيها بعلامات انخفاض السكر، حيث أن سكري لم ينزل مستواه عن ١٦٠ طيلة فترة جلوسي في المستشفى..
في هذا اليوم ذهبت أختي الكبرى لمدرستي حتى تشرح للمعلمات وضعي الجديد؛ حيث أنها رافقتني أغلب أيامي في المستشفى و تعرف الكثير عن حالتي..
بعد انتهاء اجازتي المرضية، كنتُ متخوفة جدًا من أسئلة الطالبات حولي.. كيف أجيبهنّ؟ اتخذت قراري بأني لن أخبر أحدًا سوى القليل ممن عرف بحالتي مسبقًا.. على الرغم من ذلك، كانت تأتيني تعليقات بأنّ اجتهادي في الدراسة هو الذي أوصلني لهذه المرحلة، و آخرون يقولون بأن هذا ما هو إلا "عينٌ حاسِدة".. صممتُ أذنيّ عن هذه التعليقات، و مضت آخر سنة لي في المرحلة الثانوية، تخرجت بامتياز، و حققت درجات عالية أهلتني لدخول كلية الطب -الحُلُم-.. و قبلَ قبولي كان البعض يسألني "أَأنتِ متأكدة من أنك ستدخلين كلية الطب؟ إن المشوار طويل و متعب و قد لا تستطيعين الصبر عليه مع السكري!".. و لأنني عنيدة أجبتهم بل أستطيع! تعليقات و أسئلة كهذه كانت تحثني على أن أثبت للجميع بأنني قادرة، و أن السكري لن يؤثر عليّ.. أبدًا!

تخرجت في كلية الطب، و ها أنا ذي أكمل تخصصي.. في رغبتي الأولى.. و بعون الله سأحقق ما أطمح إليه مع السكري أو بدونه..

قبل ثمان سنوات، كان الثالث و العشرون من فبراير، يومًا غيّر حياتي، هل أقول إلى الأبد؟ لا أدري.. و لكن ها أنا اليوم أعيش حياتي، أحقق طموحاتي، و لا شيء -بإذن الله- يمنعني عن أن أعيش أحلامي التي أريد!



بقية الموضوع »
رباب عبدالله
.


سنة، كانت سنة.. وَ مرّت، كما مرت سنوات الطب أجمعها، لكنها سنة ليست كباقي السنوات بالطبع، ففي هذه السنة ستعمل كطبيب و طالب في ذات الوقت، ستتعلم الكثير من الأشياء "التطبيقية و العمَليّة"، ستعمل في فريق من أجل صحة المرضى، ستتعرف على كثير من الناس، ستتابع حالات مرضاك، و لا شك ستعيش كثيرًا من القصص قد يكون بعضها عاديًا و بعضها الآخر غريبًا، بعضها يُلهمك و ربما بعضها الآخر يحبطك، و كذلك ستواجهك مواقف ستحبها أو تكرهها و لا بأس في ذلك كله، فهكذا تمضي الحياة..! 



كيف كانت سنتي؟ رائعة! باختصار.. 
كيف بدأتها؟ بحماس ربما يفوق الـ ١٠٠٪
كيف أنهيتها؟ بحماس يساوي الصفر بالمئة!
و لا تسألوني لماذا، لا بدّ أن من مرّ بتجربة الامتياز يعرف هذا الشعور..! 

في سنة الامتياز، عرفتُ أهميّة العمل في فريق متكامل لخدمة المرضى، فلكل فرد في الفريق دوره.. و لكن يحدث أحيانًا أن تعمل في فريق غير متعاون أو لا مبالٍ.. و الفريق الطبي قد يُحبّبك للعمل أو قد ينفّرك منه، لكن دائمًا ضع نصب عينيك أن تعمل بإخلاص.
من المصاعب التي واجهتني خلال سنة الامتياز هي السؤال الدائم في كل دورة أو "روتيشن": ما هو دوري؟ 
من يجيبني على هذا السؤال؟ في أغلب الأحيان الطبيب المقيم "الجونيور"، أو ربما "السينيور"، و في بعض الأحيان الأخصائي، و نادرًا الإستشاري..
و طبعًا الجواب يختلف.. من مشفى لمشفى، و من تخصص لتخصص، و من فريق لفريق! و على أية حال فدائمًا ما تكون المهمة الأساسية هي أخذ التاريخ المرضي و الفحص و تدوين الملاحظات اليومية و ملخص الخروج تحت اشراف الطبيب المقيم "الجونيور".. هذه المهام الأساسية و قد تكون لك مهام أخرى غيرها.. لكنّ المهم في ذلك كلّه هو أن يكون دوري "واضحًا".. و مفيدًا بشكل أو بآخر.. أذكر أحد الإستشاريين مثلًا لم يكن يريدُني أن أقدّم شيئًا أبدًا سِوى أن أجيب على أسئلته العلمية بالإضافة إلى تحضير موضوع عِلمي للمناقشة، على الرغم من أنني أقوم بكتابة الملاحظات اليومية للمريض و أتابع تحاليله، لكنّه كان يفضل أن يناقش الطبيب المقيم، فتعجبتُ من أسلوبه هذا، و راودني شعور بأنني "مزهرية".. فما أهمية وجودي كطبيبة امتياز يا تُرى؟ 
أكثر المهام كطبيب امتياز تكون عادة تحت اشراف الطبيب المقيم "الجونيور"، و هؤلاء الأطباء مصنفون في تعاملهم مع طبيب الامتياز إلى عدّة أصناف، أذكر أمثلة لأنواع الأطباء الذين عملتُ معهم: الطبيب الذي لا يُلقي لك بالًا و لا يعترف بوجودك و لا بدورك في الفريق، و إن كان لك دور ما فهو أن تحمل الملفات و تجلب الأوراق.. 
و الطبيب الذي يرى نفسه "الآمر الناهي" و عليك أن تنفذ أوامره دون تذمّر.. حتى لو كلفك بمهامه قبل مهامك.. و الطبيب اللامبالي، ذاك الذي يكلفك ببعض المهام ثم ينساك و ينساها! و الطبيب "الطيّب" و كم تحمل هذه الكلمة من معانٍ كثيرة ، و أهم الأنواع لديّ الطبيب "المُخلِص" : المخلص في عمله كطبيب، و كمشرف عليك، و زميل لك في المهنة.. و أحمد الله أن أغلب من عملت معهم كانوا من هذا الصنف..
و مع اختلاف أصناف الأطباء الذين ستعمل معهم، دائمًا تذكّر أن تعمل بإخلاص، حينما لا تعرف شيئًا قُل لا أعرف، لا تتردّد في طلب المساعدة، و اسأل دائمًا عن كل ما يُشكل عليك.. 


من التجارب التي تحمست لخوضها مع بداية الامتياز كانت تجربة "المناوبة".. و لم أكُن أعرف ما يتوجب عليّ فعله آنذاك غير أنني كنتُ أبلّغ الطبيب المقيم المناوب بأنني سأكون معه هذا اليوم و أزوّده برقمي ليكلمني في حال احتاج لمساعدتي أو رأى حالة من الممكن أن أستفيد منها.. و هكذا كنت أقضي مناوباتي في بادئ الأمر مع تخصص الجراحة، بين غرفة الطوارئ لأرى أي حالة جراحية فآخذ منها التاريخ المرضي و أقوم بعمل الفحص اللازم ثم أراجع الحالة مع الطبيب المناوب، أو في العنبر الجراحي لأرى ما إذا كانت الممرضات بحاجة لشيء ما.. هكذا كانت مناوباتي في أول شهرين، مُتعبة و ممتعة في الوقت ذاته، كنتُ أشعر بالإنجاز و بالسعادة حينما أراني أقدّم شيئًا مفيدًا
ثم أتى بعده تخصص آخر، في مشفى آخر.. حيث كنتُ أقضي مناوبتي إما في الغرفة المخصصة لنا، أو أتنقل بين العنابر الطبية لأقوم بإدخال الأدوية و التحاليل للمرضى.. و لا أخفيكم أنّي كنتُ أشعر بالملل، و الإجهاد الذي كان من الممكن أن يخففّه عني لو أن كل طبيب التزم بإدخال أدويته و تحاليله لمرضاه! أذكر مثلًا أنني كنت مناوبة في يوم من أيام الأسبوع العادية.. فما أن انتهت الممرضات من استلام "الشفت" الجديد حتى بدأ الـ overhead يصدح في أنحاء المشفى "medical intern.. medical intern" في كل عنبر طبي! رحت أدور  بين العنابر، و بينما كنتُ مشغولة في إدخال الأدوية صادفتني الطبيبة المقيمة المناوبة MROD ، لتخبرني بأن الممرضات في مكان آخر يحتاجونني لإدخال البلازما FFP لمريض ما، فتساءلت في نفسي عن السبب الذي يمنعها من إدخاله إن كانت هي هناك قبل قليل.. أم أن مهمة إدخال الأدوية صارت من مهام طبيب الامتياز فقط -مع العلم بأنها ليست من مهامنا أصلًا- ذهبت للمرضات، و قمت بإدخال الأدوية اللازمة للمرضى، و مع تصفحي للملفات الطبية لأتأكد من الدواء و جرعته رأيت أن بعضها مكتوب من الصباح فتساءلت لماذا لم يقم الطبيب المسؤول بإدخال أدويته لمرضاه؟ بل كيف ينصرف عن عمله دون أن يتأكد من ذلك؟ و لماذا أتحمل أنا هذا العبء؟ و لماذا تقتصر مهمتي الآن على هذه المهمات السخيفة من ادخال أدوية و تحاليل و هي ليست من مهماتي..؟ مادا سيقدّم لي ذلك كطبيبة امتياز؟ انتهت مناوبتي و حمدت الله أنها كانت آخر مناوبة لي في ذلك التخصص.. فشتان بين أن تقضي مناوبتك تُفيد و تتعلم، و بين أن تقضيها لتُكمل المهام التي تركها الآخرون لانعدام المسؤولية عندهم و دون أن يفيدك ذلك في شيء..! 

و في سنة الامتياز، مررتُ بمواقف كَـ "أول مرة"، و للتجربة الأولى دائمًا طعم خاص، أذكر مثلًا


أول progress note أكتبها، و على الرغم من أنني قد راجعت كيفية كتابتها مسبقًا إلا أنني استغرقت ساعة تقريبًا في كتابتها.. و لم تكن الحالة صعبة أو معقدة! لكم أن تتخيلوا ذلك

أول مرة يطلب مني الاستشاري أن أعرض أمامه الحالة الطبية -في يومي الثاني كطبيبة امتياز- و لم أكن وقتها متأهبة لذلك فبدأت أتلعثم و "جبت العيد".. 

أول غرزة أقوم بخياطتها، و على الرغم من أنها لم تكن "مضبوطة" كما يجب، و استغرقت فيها ضعف الوقت اللازم حتى أن تأثير المخدر الموضعي قد انتهى و لم ننته بعد من خياطة الجرح كاملًا، إلا أن المريض قام بشكري كثيرًا

أول مشاركة لي في عملية الإنعاش، إذ أحسست بالتعب و لم أكمل حتى دورة واحدة.. فناديت switch please! 
و سعادتي برجوع النبض إلى المريض بعد أن استمرت عملية الإنعاش إلى ما يقارب الساعة.. لكننا لم نكمل نصف ساعة حتى استقبلنا حالة أخرى، لكن المريض هذه المرة قد فارق الحياة..و يا لها من دنيا

أول NGT أقوم بإدخاله، بعد تردد شديد مني، و إصرار أشد من زملائي حتى أنفذ هذه المهمة.. تليه فرحتي الجامحة بإدخال الأنبوب في مكانه الصحيح من أول مرة، رغم اكتشافي أن المريض قد كان عنده التهاب رئوي pneumonia كما ظهر لنا في الأشعة، و لم أقم بأخذ احتياطات السلامة

...
تُتيح لك سنة الامتياز اكتشاف التخصصات عن كثب، و خلالها تستطيع أن تكوّن فكرة أقرب عن كل تخصص.. فالبنسبة لي مثلًا أكثر التخصصات متعةً كانت طب الأطفال و طب الطوارئ و الطب الوقائي، و أكثرها فائدة  الطب الوقائي و طب الأحياء الدقيقة، و أكثرها مللًا طب النساء و الولادة، و أكثرها كآبة طب الباطنة -بلا منازع- فخلال دراستك ربما تكون فكرة عن الأمراض في كل تخصص و كيفية علاجها، لكن الأمر على أرض الواقع مختلف... فقد كنتُ أستمتع عند قراءتي لأمراض طب الباطنة، لكنني لم أطِق التعامل مع هذا التخصص على أرض الواقع.. 
...


يبدو أنني أطلتُ هذه المرّة، و مازال في جعبتي الكثير عن سنة الامتياز
لا أنسى أن أشكر كل من عملتُ معهم، كل من نصحني و علّمني و أرشدني، كلّ من أبدى لي تقديرًا أو شجعني.. كنتُ فعلًا محظوظة بالعمل معكم..!
و لكل زملائي في الدفعة ٢١٢، أسأل الله لكم التوفيق جميعًا.. 

أنهيتُ سنتي كطبيبة امتياز قبل شهرين.. و ها أنا ذي أستعدّ لأبدأ رحلة التخصص كطبيبة مقيمة في شهر أكتوبر بإذن الله.. و كان تخصصي الذي اخترته عن حُب و رغبة "الطب الوقائي".. أسأل الله أن يكتب لي فيه الخير و التوفيق

هنا تقرؤون أيضًا



بقية الموضوع »
Join me on Facebook Follow me on Twitter